محمد بن جرير الطبري
95
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يكون مجهولا ، والميتة فعل له فنصبت على أنها فعل يكون ، وذكروا يكون لتذكير المضمر في يكون . وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والكوفة : إلا أن تكون بالتاء ميتة بتخفيف الياء من الميتة ونصبها . وكأن معنى نصبهم الميتة معنى الأولين ، وأنثوا تكون لتأنيث الميتة ، كما يقال : إنها قائمة جاريتك ، وإنه قائم جاريتك ، فيذكر المجهول مرة ويؤنث أخرى لتأنيث الاسم الذي بعده . وقرأ ذلك بعض المدنيين : إلا أن تكون ميتة بالتاء في تكون ، وتشديد الياء من ميتة ورفعها ، فجعل الميتة اسم تكون ، وأنث تكون لتأنيث الميتة ، وجعل تكون مكتفية بالاسم دون الفعل ، لأنه قوله : إلا أن تكون ميتة استثناء ، والعرب تكتفي في الاستثناء بالأسماء عن الأفعال ، فيقولون : قام الناس إلا أن يكون أخاك ، وإلا أن يكون أخوك ، فلا تأتي ليكون بفعل ، وتجعلها مستغنية بالاسم ، كما يقال : قام القوم إلا أخاك وإلا أخوك ، فلا يعتد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء نفلا . والصواب من القراءة في ذلك عندي : إلا أن يكون بالياء ميتة بتخفيف الياء ونصب الميتة ، لان الذي في يكون من المكنى من ذكر المذكر ، وإنما هو : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ، إلا أن يكون ذلك ميتة أو دما مسفوحا . فأما قراءة ميتة بالرفع ، فإنه وإن كان في العربية غير خطأ فإنه في القراءة في هذا الموضع غير صواب ، لان الله يقول : أو دما مسفوحا فلا خلاف بين الجميع في قراءة الدم بالنصب ، وكذلك هو في مصاحف المسلمين ، وهو عطف على الميتة . فإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الميتة لو كانت مرفوعة لكان الدم وقوله أو فسقا مرفوعين ، ولكنها منصوبة فيعطف بهما عليها بالنصب . القول في تأويل قوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم . وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله : فمن اضطر غير باع ولا عاد . والصواب من القول فيه عندنا فيما مضى من كتابنا هذا في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، وأن معناه : فمن اضطر إلى أكل ما حرم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير ، أو ما أهل لغير الله به ، غير باغ في أكله إياه تلذذا ، لا لضرورة حالة من الجوع ، ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده الله وأباحه له من أكله ، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه ، فلا حرج